أبريل 2, 2026

التوحّد في المغرب… غياب الإحصاء الرسمي، هشاشة الإدماج، ومسؤولية الدولة والمجتمع والجالية

في ظل غياب إحصاء رسمي دقيق وشامل لعدد المصابين باضطراب طيف التوحّد في المغرب، يجد الخبراء والهيئات المدنية أنفسهم مضطرين للاعتماد على التقديرات والإسقاطات الرياضية المبنية على النسب العالمية المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية. وتشير هذه التقديرات إلى أن عدد المصابين قد يصل إلى 350 ألف شخص أو أكثر. بينما تذهب بعض الجمعيات، مثل Vaincre l’Autisme، إلى تقدير العدد بما يقارب 700 ألف شخص يعيشون مع التوحّد بدرجاته المختلفة، في ظل غياب سجل وطني رسمي ومحدّث يمكن الاعتماد عليه.

وفي أواخر سنة 2025، قدّم تحالف الجمعيات العاملة في مجال إعاقة التوحّد بالمغرب دراسات ميدانية تهدف إلى بلورة سياسات عمومية مبنية على الأدلة، وإبراز حجم الفئات التي تحتاج إلى الرعاية والإدماج. كما ركّز الفاعلون على ضرورة إحداث استراتيجية وطنية واضحة وسجل إحصائي موحّد يحدد الاحتياجات بدقة، ويمكّن من تخصيص ميزانيات حقيقية للتكفّل بالأطفال المصابين.

هذا الغياب للمعطيات الرسمية، مقرونًا بضعف الاهتمام العمومي، يطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاهله: هل يُعامل هؤلاء فعلاً كمواطنين كاملي الحقوق في الرعاية والاعتراف والكرامة؟ فعندما تعجز الدولة عن توفير بيانات دقيقة، ولا تضع سياسات واضحة للتشخيص المبكر، ولا تضمن خدمات تربوية وصحية عادلة، يتحوّل الإقصاء إلى واقع يومي تعيشه آلاف الأسر. هذه الأسر تكافح في صمت بين كلفة العلاج، وغياب المراكز المتخصصة، وندرة الأطر المؤهلة، بينما يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن الإدماج دون أن يترجم ذلك إلى إجراءات ملموسة.

وفي المدارس العمومية، ورغم بعض المبادرات الرمزية، يبقى القبول شكليًا أكثر منه إدماجًا حقيقيًا. فالأقسام التي تُفتح للأطفال على طيف التوحّد تفتقر إلى أطر مختصة، وإلى برامج تربوية ملائمة، وإلى ورشات تساعدهم على تطوير مهارات التواصل والتنظيم والاندماج. وهكذا يجد الطفل نفسه في فضاء تعليمي لا يفهم احتياجاته ولا يراعي إيقاعه، مما يحوّل المدرسة إلى مصدر ضغط بدل أن تكون مساحة للتعلم والنمو. هذا الوضع يعكس غياب رؤية تربوية شاملة تعترف بالتنوع العصبي كجزء من ثراء المجتمع، لا كعبء يجب إخفاؤه.

أما المدارس الخصوصية، التي يُفترض أنها تقدّم بديلًا أكثر مرونة وجودة، فهي الأخرى تُغلق أبوابها في وجه هذه الفئة، رغم وجود دوريات وزارية تُلزمها بالاستقبال والإدماج. وفي الحالات النادرة التي تقبل فيها طفلًا على الطيف، يتحوّل الأمر إلى صفقة تجارية تُفرض فيها رسوم باهظة لا تقوى عليها حتى الطبقات المتوسطة، فما بالك بالأسر الفقيرة. وهكذا يصبح التعليم امتيازًا طبقيًا، وتُترك آلاف الأسر أمام خيارين قاسيين: العجز عن الدفع، أو ترك الطفل خارج المنظومة التعليمية بالكامل.

لكن أي إصلاح تربوي أو صحي لن يكتمل دون عمل توعوي واسع داخل المجتمع، لأن الأطفال على طيف التوحّد لا يحتاجون فقط إلى مراكز متخصصة وأطر مؤهلة، بل يحتاجون قبل كل شيء إلى مجتمع يفهمهم ولا يُسيء إليهم. فالتنمر، والسخرية، ونظرات الاستغراب، كلها جراح يومية تعيشها الأسر قبل أطفالها، وتكشف عن نقص كبير في الوعي بكون التوحّد ليس مرضًا ولا عيبًا، بل اختلاف في طريقة الإدراك والتواصل. إن نشر ثقافة التفهّم بدل الأحكام المسبقة، وتدريب المدرسين والآباء، وتشجيع الإعلام على تقديم صورة منصفة، كلها خطوات أساسية لبناء مجتمع يحتضن أبناءه بدل أن يدفعهم إلى الهامش.

أمام هذا الواقع، يصبح لزامًا على الدولةوأُشدد على الدولة قبل غيرهاأن تتحمّل مسؤوليتها الكاملة تجاه هذه الفئة. فمصاب الأسر جلل، ومعاناتهم ليست تفصيلاً يمكن تركه للجمعيات وحدها. كما أن المجتمع المدني، وخصوصًا جمعيات مغاربة العالم، مدعوّ إلى لعب دور محوري، ليس فقط في التوعية، بل في تنسيق الجهود ونقل الخبرات الدولية.

فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تملك تجربة رائدة في التشخيص المبكر، والتربية الدامجة، والتأهيل الأسري، والسياسات التي تضمن الحق في التعليم والدعم الاجتماعي. ويمكن لجمعيات الجالية المغربية في أمريكا أن تكون جسرًا لنقل هذه الخبرة إلى المغرب عبر برامج تكوين، شراكات، ودعم تقني قادر على تغيير واقع آلاف الأسر، خاصة في ظل غياب الإحصائيات وضعف التكوين وارتفاع تكاليف التكفّل.

إن نقل التجربة الأمريكية ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانية. فبناء منظومة دامجة يبدأ من الاعتراف بأن التوحّد ليس عبئًا، بل اختلاف يحتاج إلى فهم، وإلى دولة تتحرك بجدية، ومجتمع مدني يساند، وجالية قادرة على ربط المغرب بما هو ممكن وما هو غائب.

وفي الختام، أتمنى كما تتمنى آلاف الأسر المغربية أن يعود اليوم العالمي للتوحّد في الثاني من أبريل من السنة المقبلة وقد حمل معه تحسنًا ملموسًا والتفاتة أكبر لهذه الفئة التي عانت طويلًا من التجاهل، وأن يجد الأطفال على طيف التوحّد وأسرهم مكانهم الطبيعي داخل السياسات العمومية، والمدرسة، والمجتمع. فالأمل مشروع، والتغيير ممكن، حين تتوفر الإرادة، وتتحرك الدولة، وينخرط المجتمع المدني، وتساهم الجالية المغربية بخبرتها وتجاربها. لعلّ السنة المقبلة تكون بداية مسار جديد، تُعامل فيه هذه الفئة بما تستحقه من كرامة، رعاية، وعدالة.