أبريل 5, 2026

عرصة افتيحات… حين ينسى رجال البلاد أولاد البلاد

سلامٌ عليكم أيها الساسة.

لا أتحدث عن ساسة الوطن، بل عن ساسة المدينة؛ أولئك الذين يُفترض أنهم يسوسونها، فإذا بهم سوسة تأكلها، وبهذا يسوسونها — بالمعنى الحرفي — حتى أصبحت تُدار بمنطق شوارع “شوفوني” و“استر ما ستر الله”، بدل منطق الرؤية والتخطيط.

في مدن كثيرة، لا يحتاج المواطن إلى تقارير رسمية ليعرف مستوى التنمية. يكفيه أن يرى ما يحاولون إخفاءه: أرصفة مكسّرة، أحياء تُترك لمصيرها، شباب يهاجرون أو ينتظرون دورهم في طابور البطالة. شواهد يومية تقول إن السياسة المحلية لم تعد فنّ التدبير، بل فنّ الغياب.

السياسي المحلي، في كثير من الحالات، لا يرى في المدينة مشروعًا جماعيًا، بل غنيمة انتخابية. يتحيّن الفرص خلافًا عن القانون لتوزيع “الزرقلافات” في اليوم الموعود، ثم يختفي حين يحين وقت العمل. والنتيجة: مدن تتراجع، خدمات تتدهور، ومواطن يزداد فقرًا.

هنا، في مكانٍ ما من الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية الجميلة والغنية والمحبوبة، والغول الذي يخشاه كثير من المغاربة. مدينة تتجاور فيها المتناقضات كما لو كانت قدرًا مكتوبًا: من المارينا إلى باب مراكش، من شقق يقترب ثمنها من المليار إلى أزقة لا يمرّ منها إلا الفقر.

في هذا الفضاء المتشابك تقع عرصة افتيحات، بداية ما كان يُعرف بشارع لاكونكورد. مكان تتواجه فيه بنايات أرهقها الإهمال قبل الزمن، مع واجهات لامعة تخفي ما لا يراه إلا من عاشها. هنا، لا تُقاس التنمية بعدد العمارات، بل بعدد الوجوه التي تبحث عن قوتها في ما ترميه المتاجر الكبرى. هنا، لا يسأل الناس عن تاريخ صلاحية المواد الغذائية، بل عن تغيّر الشكل والرائحة.

ومع ذلك، يخرج علينا بعض الساسة بخطابات عن “القرب و سياسة القرب”:

الوزير الذي تبجّح بأنه قضى ليالي في الكريان،

والسيدة التي فضّلت العمودية على الوزارة “حبًا في المدينة”.

لكن هل مرّ أحدهما من هنا؟

هل يعرفان عرصة افتيحات؟

هل رأيا هذا العالم الذي يعيش خارج عدسات الكاميرات؟

العالم الذي لا يزوره المنتخبون إلا في الحملات الانتخابية، ولا يزوره أعوان السلطة إلا عندما “يخرج فيهم لبلان لإخلاء المكان”.

المنتخبون يدخلون محاطين بحراس شخصيين من أبناء الحي، مقابل وعود ودراهم معدودة، بسرعة تكفي لتفادي ما لا يريدون رؤيته، وببطء يكفي لالتقاط الصور.

الدار البيضاء ليست المارينا وحدها، ولا المولات اللامعة، ولا الشوارع التي تُغسل — رغم أنها لم تعد تُغسل بنفس الإيقاع ولا بنفس الطريقة كما كانت.

الدار البيضاء هي هذه الأزقة التي تُعرّي فشل السياسات المحلية، وتكشف أن الفقر ليس “ظاهرة اجتماعية”، بل نتيجة مباشرة لقرارات تُتخذ بعيدًا عن الناس.

من عرصة افتيحات إلى المارينا…

مسافة قصيرة في الجغرافيا، طويلة في العدالة الاجتماعية، أطول مما يستطيع أي وزير أو عمدة أن يقطعها ما دام لا يجرؤ على النظر في عيون من يعيشون هنا.

هنا، في قلب هذا المكان، ترى الرجل الذي يبيع “اللاشيء” ليعيش. يأخذ قطعة معدنية لا تتجاوز خمسة دراهم كأنها رزق نزل من السماء، يقبّلها، يرفعها إلى جبهته، ويتمتم:

“يا فتّاح يا رزّاق.”

وترى المرأة التي تقف يومًا كاملًا تحت الشمس، تقول بصوتٍ مبحوح:

“أنا أقضي يومًا كاملًا هنا… كيف لي أن أدفع ثمن الدروس الإضافية لابنتي؟ هل سيعفيني المعلّم؟”

لا تصرخ غضبًا، بل قهرًا. كأنها تقول إن الفقر لا يسرق فقط قوت يومها، بل يسرق المستقبل… مستقبل ابنتها.

وهؤلاء الذين تراهم هنا ليسوا من الذين هجّرهم الجفاف من البوادي.

هؤلاء أولاد البلاد كما يحلوا لهم وصف أنفسهم، أولاد المدينة القديمة.

ولدوا هنا، ترعرعوا هنا، كبروا وشاخوا قبل الأوان في الأزقة نفسها التي تحفظ أسماءهم ووجوههم.

وجوه بلون ما تلفظه عادمات السيارات من دخان، لا ينالون من غنى المدينة وسياراتها الفارهة إلا التلوث.

وتجاعيد نحتها الزمن  كخرائط لأعمار طويلة، تحمل بنكًا من الهموم ورصيدًا من الألم لا ينقص.

ومع ذلك، يخرج علينا بعض الساسة بخطابات عن “القرب من المواطن”.

لكن الحقيقة — هنا — آخر ما يبحث عنه السياسي حين يقترب موسم الوعود.

عرصة افتيحات بين باب مراكش والمارينا…

مساحة صغيرة على الخريطة، كبيرة في اللاعدالة الاجتماعية.

أما المسافة بين المارينا وباب مراكش فهي قصيرة في الجغرافيا، طويلة في العدالة، أطول مما يستطيع أي مسؤول أن يقطعها ما دام لا يجرؤ على النظر في عيون من يعيشون هنا.

عرصة افتيحات… نقطة من النقط السوداء في مدينة تطوّرت كثيرًا وتركَت الكثير من أولاد البلاد “عاضّين في المزرار”.

فهل يلتفت “رجال البلاد” إلى “أولاد البلاد” يومًا؟  أولئك الذين هم أصلًا “موالين البلاد”.